الشيخ محمد رشيد رضا
85
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وروى احمد باسناد صحيح وابن حبان في صحيحه والحاكم - وقال صحيح الاسناد - عن ابن عباس قال سمعت رسول اللّه ( ص ) يقول « أتاني جبريل فقال : يا محمد ان اللّه لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وشاربها والمحمولة اليه وبائعها ومبتاعها وساقيها ومسقاها » وروى أبو داود وابن ماجة عن ابن عمر حديثا بمعناه وليس فيه ذكر جبريل . والترمذي وابن ماجة من حديث أنس « لعن رسول اللّه ( ص ) في الخمر عشرة : عاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة اليه وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشترى له » قال الترمذي حديث غريب ( حكمة تشديد الاسلام في الخمر دون الأديان السابقة ) ورد شبهة على تحريمها إذا قيل : ان دين اللّه في حقيقته وجوهره والحكمة منه واحد لا خلاف فيه بين الرسل المبلغين له ، وانما يختلف بعض الشرائع في امرين أصليين ( أحدهما ) ما يختلف باختلاف الزمان والمكان ، وأحوال الشعوب والأجيال ، ( وثانيهما ) ما اقتضته حكمة اللّه تعالى من سير أمور البشر كلها على سنة الترقي التدريجي الذي من مقتضاه ان يكون الآخر أكمل مما قبله ، وبهذه السنة أكمل اللّه تعالى دينه العام ، بانزال القرآن وعموم بعثة محمد عليه الصلاة والسّلام . وقد قلت إن في الخمر من الضرر الذاتي ما كان سببا للقطع بتحريمها وما ذكرت من التشديد فيها ، وهذا يقتضي أن تكون محرمة على ألسنة جميع الأنبياء عليهم السّلام ، والمنقول عن أهل الكتاب انها لم تكن محرمة عليهم ، وان الأنبياء أنفسهم كانوا يشربونها - فهذه شبهة على تحريم الخمر تحدث بها المحبون لها ، واستدل بها بعضهم على حل ما دون القدر المسكر مما سوى خمرة العنب التي زعموا ان نص القرآن قاصر عليها تعبدا ، كما نقل ذلك صاحب العقد الفريد وأمثاله من الأدباء الذين يعنون بتدوين أخبار الفساق والمجان وغيرهم . وأنت ترى أن هذه الشبهة أقوى من شبهة بعض الصحابة التي تقدمت ولا يدفعها جوابك عنها ، بل زعموا ان النبي ( ص ) شرب من نبيذ مسكر ولكنه مزجه فلم يسكر به . فما قولك في ذلك ؟